الذهبي

84

سير أعلام النبلاء

رواه النسائي . وصح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نازله إلى ثلاث ليال ، ونهاه أن يقرأه في أقل من ثلاث ( 1 ) وهذا كان في الذي نزل من القرآن ، ثم بعد هذا القول نزل ما بقي من القرآن . فأقل مراتب النهي أن تكره تلاوة القرآن كله في أقل من ثلاث ، فما فقه ولا تدبر من تلى في أقل من ذلك . ولو تلا ورتل في أسبوع ، ولازم ذلك ، لكان عملا فاضلا ، فالدين يسر ، فوالله إن ترتيل سبع القرآن في تهجد قيام الليل مع المحافظة على النوافل الراتبة ، والضحى ، وتحية المسجد ، مع الأذكار المأثورة الثابتة ، والقول عند النوم واليقظة ، ودبر المكتوبة والسحر ، مع النظر في العلم النافع والاشتغال به مخلصا لله ، مع الامر بالمعروف ، وإرشاد الجاهل وتفهيمه ، وزجر الفاسق ، ونحو ذلك ، مع أداء الفرائض في جماعة بخشوع وطمأنينة وانكسار وإيمان ، مع أداء الواجب ، واجتناب الكبائر ، وكثرة الدعاء والاستغفار ، والصدقة وصلة الرحم ، والتواضع ، والاخلاص في جميع ذلك ، لشغل عظيم جسيم ، ولمقام أصحاب اليمين وأولياء الله المتقين ، فإن سائر ذلك مطلوب . فمتى تشاغل العابد بختمة في كل يوم ، فقد خالف الحنيفية السمحة ، ولم ينهض بأكثر ما ذكرناه ولا تدبر ما يتلوه . هذا السيد العابد الصاحب كان يقول لما شاخ : ليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم ( 2 ) . وكذلك قال له عليه السلام في الصوم ، وما زال يناقصه

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود ( 1394 ) في الصلاة : باب تخريب القرآن ، والترمذي ( 2950 ) في القراءات : باب في كم يختم القرآن ، وابن ماجة ( 1347 ) عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لم يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث " قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح ، وهو كما قال . ( 2 ) قطعة من حديث أخرجه البخاري : 4 / 189 ، 191 في الصوم : باب حق الجسم في الصوم ، و 9 / 83 في فضال القرآن : باب في كم يقرأ القران ، وإنما قال ذلك بعد ما كبر وعجز عن المحافظة على ما التزمه ، وفي رواية " لان أكون قبلت الثلاثة أيام التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي من أهلي ومالي " .